أبو البركات بن الأنباري
129
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
كلمة تامة ؛ لأنك تقول « انفكت يده » فتوهم فيها التمام ، ثم استثنى ، وهذا الوجه رواه هشام عن الكسائي . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر « ما زال » عليها لأن « ما » للنفي ، والنفي له صدر الكلام ؛ فجرى مجرى حرف الاستفهام في أن له صدر الكلام ، والسّرّ فيه هو أن الحرف إنما جاء لإفادة المعنى في الاسم والفعل ؛ فينبغي أن يأتي قبلهما ، لا بعدهما ، وكما أن حرف الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله فكذلك هاهنا ، ألا ترى أنك لو قلت في الاستفهام « زيدا أضربت » لم يجز ؛ لأنك تقدم ما هو متعلق بما بعد حرف الاستفهام عليه ؛ فكذلك هاهنا ؛ إذا قلت « قائما ما زال زيد » ينبغي أن لا يجوز لأنك تقدم ما هو متعلق بما بعد حرف النفي عليه . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن ما زال ليس بنفي للفعل ، وإنما هو نفي لمفارقة الفعل ، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابا » قلنا : هذا حجّة عليكم ، فإنا كما أجمعنا على أن « ما زال » ليس بنفي للفعل أجمعنا على أن « ما » للنفي ، ثم لو لم تكن « ما » للنفي لما صار الكلام بدخولها إيجابا ، فالكلام إيجاب ء و « ما » نفي ؛ بدليل أنا لو قدرنا زوال النفي عنها لما كان الكلام إيجابا ، وإذا كانت للنفي فينبغي أن لا يتقدم ما هو متعلق بما بعدها عليها ؛ لأنها تستحق صدر الكلام كالاستفهام . وأما « ما دام » فلم يجز تقديم خبرها عليها نفسها لأن « ما » فيها مصدرية لا نافية ، وذلك المصدر بمعنى ظرف الزمان ؛ ألا ترى أنك إذا قلت « لا أفعل هذا ما دام زيد قائما » كان التقدير فيه : زمن دوام زيد قائما ، كقولك « جئتك مقدم الحاجّ ، وخفوق النجم » أي زمن مقدم الحاجّ وزمن خفوق النّجم ، إلا أنه حذف المضاف الذي هو الزمن ، وأقيم المصدر الذي هو المضاف إليه مقامه ، وإذا كانت « ما » في « ما دام » بمنزلة المصدر فما كان من صلة المصدر لا يتقدم عليه ، واللّه أعلم .